النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: النبي ابراهيم عليه السلام...

  1. #1
    walid_alzanati

    النبي ابراهيم عليه السلام...

    نسبه:
    هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور، بن ساروغ، وينتهي نسبه إلى سام بن نوح، كما جاء في التوراة، أمّا القرآن الكريـم فقد ذكر أنَّ اسم أبيه هو «آزر»، وقد دار جدالٌ حول هذه المسألة، فقال الزجاج كما جاء في المجمع: «ليس بين النسابين اختلاف أنَّ اسم أبي إبراهيم تارخ، والذي في القرآن يدل على أنَّ اسمه آزر وقيل آزر عندهم ذم في لغتهم كأنَّه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا مخطئ، فإذا كان كذلك فالاختيار الرفع، وجائز أن يكون وصفاً له كأنَّه قال لأبيه المخطئ، وقيل آزر اسم صنم، عن سعيد بن المسيب ومجاهد، وهذا الانصراف يعني أنَّه جعل آزر في مصاف الأصنام ليتخذها آلهة، ويعلّق صاحب مجمع البيان على ذلك بأنَّ ما قاله الزجاج يقوي ما ذهب إليه بعض الأصحاب من أنَّ آزر كان جـدّ إبراهيم لأمّه، وكان عمّه من حيث صح عندهم أنَّ آباء النبيّ إلى آدم كانوا موحدين.

    وربَّما ذهب البعض إلى أنَّ آزر كان جدّ إبراهيم لأمّه، ما يدل بأنَّ جدّه من قبل الأم كان كافراً مع أنَّ نسبه متصل به، فإذا كان الكفر في النسب من حصة الأب قبيحاً في مقام النبوة كان ذلك قبيحاً إذا كان النسب من جهة الأم، لأنَّ الملاك واحد وهو اتصال نسبه بالكافرين. كما أنَّ إطلاق كلمة الأب على العم كما جاء في الآية الكريمة ] قالوا نعبد إلهك وآله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً[ (البقرة:133)، فإنَّ هذا الإطلاق واردٌ على سبيل التغليب، أمّا إطلاقه على الجد فهو منسجم مع انتسابه إليه بالولادة بشكل غير مباشر، ولـم يعهد استعمال كلمة الأب، في غير الوالد والجدّ إلاَّ على نحو المجاز، ولذلك فإنَّه لا شاهد على الحمل المذكور في السياق القرآني.

    الولادة والنشأة:
    اختلفت المصادر التاريخية في مكان ولادة النبيّ إبراهيم (ع)، فذكر بعض المؤرخين بأنَّه ولد في غوطة دمشق في قرية يُقال لها «برزة» في جبل قاسيون، وذكر آخرون أنَّه ولد في بابل وهي أرض الكلدانيين في العراق، والراجح أنَّه ولد ببابل، وإنَّما نُسِبَ إليه ولادته بغوطة دمشق، لأنَّه صلّى فيها إذ جاء معيناً لابن أخيه لوط كما جاء في البداية والنهاية.

    ولد إبراهيم (ع) بعد أن بلغ والده من العمر خمساً وسبعون عاماً، وكان هو الولد الأكبر لآزر، وقد تزوج إبراهيم (ع) حين شبّ وكبر بامرأة تدعى سارة، وكانت سارة عاقراً لا تلد، وهاجر إبراهيم (ع) مع والده وزوجته فخرجوا من أرض الكلدانيين في العراق إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد المقدس، فأقاموا بحرّان وهي بلدة قريبة من الشام، وكان أهلها يعبدون الكواكب والأصنام.

    الظروف التي عاش فيها إبراهيم (ع):
    أ ـ عبادة الأصنام:
    لـم تختلف البيئة التي ولد فيها النبيّ إبراهيم (ع)، عن البيئة التي عاش فيها نوح(ع)، من حيث عبادة الأصنام، التي كانت سائدة آنذاك في بابل، واتخذ أهلها منها آلهة، فكان لكلّ مدينة إله، بل ولكلّ مقاطعة، وانضوت هذه الآلهة جمعاء تحت لواء إله كبير.

    في هذه البيئة وهذه الظروف كان اللّه سبحانه وتعالى قد منّ على عباده بإبراهيم (ع) فأعطاه الرشد، ووجهه سير الاعتقاد بالإله الواحد المهيمن على كلّ ما في الكون ] ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنّا به عالمين[ (الأنبياء:51)، فعزم على هداية قومه وتخليصهم من الأباطيل والخرافات التي كانوا يعتقدون بها، فتوجه إليهم بالنصح ونهاهم عمّا هم فيه، ولكنَّهم لـم يستجيبوا إلى دعوته مكرسين بذلك مبدأ التقليد الأعمى دون تعقل وتفكير ] إذا قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم وآباؤكم في ضلالٍ مبين[ (الأنبياء:52ـ54).

    أراد إبراهيم(ع) أن يحرر قومه من عبودية الأصنام، فبيّن لهم سُبُل الرشاد، وأنَّ ما يقومون به إنَّما هو على سبيل الضلال ومنافٍ للفطرة الإنسانية التي فطرت على التوحيد، والتسليم بأنَّ اللّه هو الخالق، والباعث على الطمأنينة والسعادة، وليس من الحقّ في شيء من اتخذ الأصنام آلهة له، واعتمد عليها في مسيرة حياته، لأنَّ اللّه وحده دون سواه هو الشافي والمحيي والمميت، والرازق، والغافر للذنوب ] والذي خلقني فهو يهدينِ * والذي يطعمني ويسقينِ * وإذا مرضت فهو يشفينِ * والذي يميتني ثُمَّ يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين[ (الشعراء:78ـ82).

    ب ـ إبراهيم(ع) يدعو أباه:
    ابتدأ إبراهيم دعوة قومه بالأقربين منه، فبادر إلى دعوة أبيه الذي كان في مقدمة عابدي الأصنام، وقد عزّ عليه أن يرى والده وهو أقرب النّاس إليه يعبد الأصنام، فرأى أن يحضه على تركها محذراً إياه من عاقبة كفره باللّه، وحاول أن لا يثير حفيظته فخاطبه بلهجة تفيض أدباً ورقة وبأسلوب استنكاري تعجبـي ] يا أبتِ لِمَ تعبد ما لا يُسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنك شيئاً[ (مريم: 42) من دون أن يشعره بأنَّه جاهل بالعبادة الحقّة مخافة أن يعتبر ذلك امتهاناً لرأيه فينصرف عنه، وبالمقابل فإنَّ إبراهيم(ع) لـم يصف نفسه بالعالـم الفائق بل أنَّ كلّ ما لديه هو طائفة من العلم قد جاءته من اللّه لا تأتي أباه، راجياً منه اتباعه كي يهديه إلى صراطٍ سوي، ولا يتبع الشَّيطان لأنه لو اتبعه سيقع في المعصية، ويسلك طريق الضلالة، التي تؤدي به في النهاية إلى سوء العذاب ] يـا أبتِ إنّي قد جاءني من العلم ما لـم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياُ[ (مريـم:43) ] يا أبتِ لا تعبد الشَّيطان إنَّ الشيطان كان للرحمن عصياً * يا أبتِ إنّـي أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشَّيطان ولياً[ (مريـم:44ـ45).

    ولكن الأب لـم يستمع لنصائح ولده بل بادره بالقول ] أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم[ وهدده بالرجم إن لـم ينتهِ، طالباً منه أن يغرب عن وجهه إذا ما أراد أن يستبقي على حياته، ] لئن لـم تنتهِ لأرجمنّك واهجرني مليا[ (مريـم:46) ولكنَّ إبراهيم بالرغم من المعاملة القاسية التي لاقاها من أبيه، وحالة الإعراض التي واجهه بها نراه يُقابل أباه برحابة صدر وبقبول مسالـم ] سلامٌ عليك[ ووعده أن يستغفر له ربّه، كي لا يُعاقبه، ] سأستغفر لك ربّي إنَّه كان بي حفياً[ (مريـم:47)، وفي حال كانت الدعوة تؤذيه فهو حاضر لتلبية دعوته بأن يعتزله وقومه، والآلهة التي كانوا يعبدون من دون اللّه، وأمام حالة العناد والإصرار من قبل أبيه على عبادة الأصنام، جعلت إبراهيم(ع) يتبرأ منه ] إنَّ إبراهيم لأواه حليم[ (التوبة:114).

    ج ـ إبراهيم يُحطّم الأصنام:
    بعد أن واجه إبراهيم(ع) إعراضاً عن الدعوة من قبل أبيه وتبرأ منه بعد أن تيقن بأنَّه عدوّ للّه، صمّم على متابعة الدعوة، فتوجه إلى الأصنام (المقدسات) بالذات، وكان قد أضمر لها في نفسه الهدم، ليقيم الحجّة على قومه على أنَّها لا تضرّ ولا تنفع ولا تستطيع أن تلحق الأذى بمن يصيبها بضرر.

    تحين إبراهيم(ع) الفرصة المناسبة لتحقيق مأربه، وكان يوم عيد عندهم، فحاول أباه أن يخرجه معه لمشاركته في الاحتفال الذي سيُقام لعلّ ذلك يدخل السرور على قلبه، فلبى إبراهيم(ع) دعوة أبيه، ولكن ما إن خرج حتّى لاح له في الأفق عذر يستطيع به التخلص، فنظر في النجوم وأخبره بأنَّه مشرف على مرض الطاعون، ما أخاف القوم فتركوه، فقفل عائداً إلى المكان الذي توجد فيه الأصنام والطعام والشراب أمامها، زعماً من القوم أنَّها تأكل وتشرب.

    ما إن وصل إبراهيم(ع) إلى الهيكل حتّى بادرها بسخرية ] ألا تأكلون ما لـكم لا تنطقون[ (الصافات:91ـ92) ولما كانت الأصنام لا تنطق فلم تجبه، عندئذٍ انهال عليها ضرباً بفأسٍ ] فراغ عليهم ضرباً باليمين[ (الصافات:94) وجعلها قطعاً صغيرة، وقد أبقى على الصنم الكبير وعلّق الفأس بيده، وغادر الهيكل، مقيماً بذلك دليلاً حسياً لقومه أنَّ هذه الأصنام لو كانت آلهة حقيقية لاستطاعت على الأقل أن تدافع عن نفسها، إن لـم نقل أنَّها تلحق الأذية بمن أصابها بضرر.

    الموقف من تحطيم الأصنام:
    رجع القوم بعد أن احتفلوا بعيدهم فرأوا ما حلّ بأصنامهم فراعهم ذلك، وتساءلوا فيما بينهم عن الفاعل الظالـم الذي نال من مقدساتهم، فأشار بعضهم إلى أنَّ هناك فتىً يُقال له إبراهيم كان يذكر هذه الأصنام وكان من عادته أن يعيبها ويسخر منها، وما نظنّ أن فعل بها هذا الفعل إلاَّ هو.

    ووصل نبأ الاعتداء على الأصنام إلى الحكام فجيء بإبراهيم(ع) فسألوه ] أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم[ (الأنبياء:62), ولكنَّ إبراهيم استطاع بطريقة لبقة وأسلوب حكيم أن ينفي علاقته بالأمر وأحال هذا الفعل إلى كبيرهم، ] قال بل فعله كبيرهم هذا[ والشاهد على ما فعله بقية الأصنام ] فاسألوهم إن كانوا ينطقون[ (الأنبياء:63).

    انساق القوم فوراً لكلام إبراهيم(ع) وانزلقوا في هذا المزلق، فبدأ بعضهم يؤنب بعضاً على اتهامهم لإبراهيم(ع) واعتبروا أن من اتهمه كان من الظالمين ] فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنَّكم أنتم الظالمون[ (الأنبياء:65)، لأنَّها معبودات لا تستطيع أن تنطق، ولكن لـم يلبث القوم أن استفاقوا واصطدموا بالحقيقة فأطرقوا رؤوسهم خجلاً إذ كيف بهم أن يسألوا أصناماً لا تنطق وأنت يا إبراهيم تعلم أنَّهم لا ينطقون فكيف تطلب منّا أن نسألها ] ثُمَّ نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون[ (الأنبياء:65).

    وقع القوم في مأزق لـم يكونوا يتوقعون حصوله، فبدأوا العمل على تجاوزه، وإبطال مفاعليه، إذ خشي هؤلاء أن يُفتضح أمرهم، وإذ نفدت كلّ الحجج التي كانت لديهم، فعدلوا عن الجدل والمناظرة إلى استخدام القوّة فأصدروا على إبراهيم حكماً بالموت حرقاً، ] قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين[ (الأنبياء:68) ولكن مشيئة اللّه كانت أكبر من مكائدهم، وبإذن منه تحوّلت النّار التي أوقدوها لإبراهيم ] برداً وسلاماً على إبراهيم[ (الأنبياء:69).

    متابعة الدعوة (إثبات الوحدانية):
    بالرغم من استخدام القوّة مع إبراهيم(ع) إلاَّ أنَّه كان لا يترك فرصة إلاَّ ويُحاور فيها قومه ويجادلهم في معبوداتهم، محاولاً بشتى الوسائل إبطال عبادة الكواكب والشمس والقمر، وصرف قومه إلى عبادة اللّه الواحد الذي لا معبود سواه، ومن ذلك تلك الطريقة البالغة الدقة والموضوعية في آن وبأسلوب منطقي، ومن دون أن يحقّر معبوداتهم، ويسفه معتقداتهم، فيخاصموه، وكي لا يصموا آذانهم عن سماع الحقيقة جاراهم في معتقداتهم لينال ثقتهم، ولكي يكون لكلامه قدرة على النفاذ إلى قلوبهم مبيناً، مواضع الخطأ في معتقداتهم ] وكذلك نري إبراهيم ملكوت السَّماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين * فلمّا رأى القمر بازغاً قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لـم يهدني ربّي لأكونن من القوم الظالمين * فلمّا رأى الشمس بازغة قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم إنّي بريء مما تشركون * إنّي وجهت وجهي للذي فطر السَّماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين[ (الأنعام:75ـ79).

    جارى إبراهيم(ع) قومه، وخاطبهم حسب عقولهم لجهة إبطال المعتقدات التي كانوا يؤمنون بها، وانصرف بعد ذلك لبيان ربوبية اللّه وحده دون سائر المخلوقات، وهذا ما كان من «نمرود» الذي كان يدّعي الألوهية، وحيث طلب لقاء إبراهيم(ع) الذي حصل بينهما حواراً ذا دلالات عميقة تنمّ عن سعة أفق إبراهيم(ع)، في اتباعه أسلوباً حوارياً مقنعاً عندما سأله الملك عن ربِّه ] قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويُـميت[ فوجد الملك نفسه في موقعٍ حرج ] قال أنا أحيي وأميت[ ، آخذ رجلين قد استحقا القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمتّه، وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته، فردّ عليه إبراهيم(ع) بحزم مما جعله يقف مشدوهاً وحائراً لجواب إبراهيم ] فإنَّ اللّه يأتي بالشمس من المشرق إلى المغرب فأتِ بها من المغرب إلى المشرق فبهت الذي كفر واللّه لا يهدي القوم الظالمين[ (البقرة:258).

    بعد أن انتهت العملية الحوارية مع نمرود، والتي أثبت إبراهيم(ع) من خلالها أنَّ القدرة الإلهية لا متناهية طلب من الباري أن يريه كيف يحيي الموتى، وهذه المسألة لـم تنقص من إيمان إبراهيم(ع)، إنَّما جاءت على سبيل الاطمئنان القلبي لإبراهيم(ع) ] وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لـم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثُمَّ اجعل على كلِّ جبل منهنّ جزءاً * ثُمَّ أدعهن يأتينك سعياً واعلم أنَّ اللّه عزيز حكيم[ (البقرة:260).

    زواج إبراهيم (ع) من سارة وهجرته إلى مصر:
    كان إبراهيم قد أقام مدّة في بلدة حرّان تزوج أثناءها بابنة عمّه سارة، وأمام حالة الإعراض التي جوبه بها من قومه لعدم استجابة أهلها لدعوته باستثناء لوط ونفرٌ قليل ما جعل الهوة تتسع بينه وبين قومه، فصمم على الهجرة منها ] إنِّي مهاجرٌ إلى ربّي إنَّه هو العزيز الحكيم[ (العنكبوت:26).

    توجه إبراهيم ومن معه إلى أرض الشام المعروفة آنذاك بأرض كنعان، فلبث فيها زمناً غير طويل، اضطر بعدها، لأن يغادرها وجموعاً من أهلها، لضائقة شديدة ألمت بها هددتها بالمجاعة، فنـزح إبراهيم(ع) إلى مصر التي عاد منها إلى فلسطين، ومعه زوجته سارة وجارية لها تدعى هاجر.

    زواج إبراهيم (ع) من هاجر واستجابته لدعواتها:
    كانت سارة امرأة عقيماً، وقد تقدّمت بها السنّ، وأصبحت والحالة هذه في وضع لا يُرجى معه أن ترزق بولد، وكانت نفس إبراهيم ترغب بولد، فدعا اللّه أن يهبه ولداً صالحاً، وأحسّت زوجته سارة بما يجول في خاطره، فبادرت إلى الطلب منه أن يتزوج جاريتها هاجر لعلّ اللّه يرزقه بولد منها، فتزوج إبراهيم(ع) هاجر ورزق منها مولوداً أسماه إسماعيل(ع).

    بعد أن رزق إبراهيم بإسماعيل(ع) من هاجر بدأت هذه تتيه بها عجباً، وتعتزّ به مما أثار الغيرة والحسرة في نفس سارة التي لـم تحتمل منها تصرّفاتها، فطلبت من إبراهيم(ع) إقصاءها، لأنَّه لا يمكنها أن تستمر معها على هذه الحالة.

    استجاب إبراهيم(ع) لرغبة سارة التي أيدتها الرعاية الإلهية التي أوحت إليه أن يحمل هاجر وإسماعيل ويذهب بهما إلى مكة، فسار بهما إلى أن أمره اللّه بالتوقف في أرض خلاء بعيدة عن العمران في المكان الذي سيبني عليه البيت الحرام. ثُمَّ قفل راجعاً إذ لا ماء ولا طعام، فتتبعته هاجر وحاولت أن تستدر عطفه مراراً، وهو يمضي في سبيله إلى أن أدركت أنَّ اللّه يأمره بذلك، فاستكانت واتكلت على اللّه، ورجعت إلى المكان الذي وضعها فيه مع ولدها.

    وعاد إبراهيم(ع) وقلبه منفطر على زوجته وولده، ولكن إرادة اللّه غلبت إرادته فاستسلم لربِّه مبتهلاً له يدعوه بهذه الكلمات ] ربَّنا إنّي أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من النّاس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون * ربَّنا إنَّك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على اللّه من شيء في الأرض ولا في السَّماء[ (إبراهيم:37ـ38).

    ومكثت هاجر تأكل من الزاد وتشرب من الماء الذي تركه لهما إبراهيم(ع) إلى أن نفذ، ودبّ العطش بهما فجعلت تنظر من حولها، وإسماعيل(ع) يتلوى من الظمأ فهبت تبحث له عن ماء يروي ظمأه.

    صعدت هاجر إلى مكان مرتفع يُعرف بـ «الصفا»، ولكنَّها لـم تجد له أثراً، فهبطت منه وهي مرهقة، حتّى أتت مكاناً مرتفعاً آخر عرف بـ «المروة»، فلم ترَ للماء أي أثر أيضاً، ثُمَّ رجعت إلى الصفا ثُمَّ إلى المروة، إلى أن بلغ سعيها بين الصفا والمروة سبع مرات وبينما هي تواصل سعيها، وحيث أشرفت على «المروة» شاهدت الطير تحوم حول ابنها، فلمّا رأت هذا المشهد المثير عادت لتستطلع الخبر، فرأت الماء يتدفق فجعلت تغرف منه وتسقي ولدها وتروي نفسها.

    وكان قوم من قبيلة جرهم يسيرون قرب هذا المكان، فلمّا شاهدوا الطير تحوم حوله تساءلوا عن سرّ هذا التحليق، لأنَّ ذلك لا يتحقّق إلاَّ بوجود الماء وهم على علم أنَّه غير متوفر في تلك المنطقة، فأرسلوا أحدهم يستطلع الخبر فرجع إليهم يزف بشرى وجود الماء فأتوا هاجر وسألوها أن تقبل بوجودهم بالقرب منها، على أن يبقى الماء لها، فرحبت بهم، واستوطنوا بجوارها حتّى شبّ إسماعيل وتزوج امرأة جرهمية، وتعلّم العربية منها.

    إسماعيل .. الاستجابة لطلبات أبيه:
    ـ الذبح:
    لـم ينسَ إبراهيم(ع) ولده، فكان يزوره بين حين وآخر، وفي إحدى الزيارات رأى أنَّ اللّه يأمره بذبح إسماعيل في منامه، فعزم إبراهيم(ع) على تنفيذ الأمر الإلهي، وعرض هذا الأمر على ولده ليمتحن إيمانه، فأجابه إسماعيل(ع) بأن يفعل ما يؤمر وسيجده إن شاء اللّه من الصابرين، وجاء ذلك في قوله تعالى: ] فلمّا بلغ معه السعي قال يا بني إنّي أرى في المنام إنّي أذبحك فانظر ماذا ترى يا أبتِ فافعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين[ (الصافات:102).

    ولما استسلما لقضاء اللّه وقدره وألقى إبراهيم ابنه على وجهه ليذبحه من قفاه، وأمرّ السكين على رقبته فلم تقطع، ففداه اللّه بذبح عظيم (الكبش) فاجتاز إبراهيم بذلك البلاء المبين الذي امتحنه اللّه به، وفي ذلك قوله تعالى: ] فلمّا أسلما وتلّه الجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين[ (الصافات:103ـ108)

    ـ بناء الكعبة:
    لبث إبراهيم بعيداً عن ابنه مدّة طويلة ثُمَّ جاءه لأمر جلل، عندما أمره اللّه سبحانه وتعالى أن يبني وإسماعيل(ع) الكعبة، وبعد أن طاب المقام لإبراهيم(ع)، أفضى إليه بالأمر الذي جاء لأجله، فشرعا في البناء، إبراهيم(ع) يبنـي وإسماعيل(ع) يناوله الحجارة، وأراد إبراهيم (ع) أن يكون في الركن حجراً علماً، فأشار عليه جبرائيل بالحجر الأسود، [وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل] وكانا كلّما بنيا ابتهلا إلى اللّه وهما يدعوان: ] ربّنا تقبّل منّا إنَّك أنت السميع العليم[ (البقرة:127) وبقي أمر التعاون قائماً حتّى كمل البناء وتـمّ بناء جدران الكعبة.

    ولما تـمّ بناء البيت، خصه اللّه بعنايته، وأمر إبراهيم وإسماعيل(ع) بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود ودعا إبراهيم(ع) أن يجعل مكة بلداً آمناً يعمّ فيه الخير والرزق ممن آمن منهم باللّه واليوم الآخر، وأن ينـزل العذاب بعد أن يمتع قليلاً من كفر ] وإذ جعلنا البيت مثابة للنّاس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود * وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثُمَّ اضطره إلى عذاب النّار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنَّك أنت السميع العليم[ (البقرة:126).

    وقد اختص إبراهيم (ع) بميزات وخصائص قلّ أن وجدت في نبيّ، فهو أبو الأنبياء، والجدّ الأكبر لرسول اللّه (ص)، واتخذه اللّه عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً، وقرن نبوته بالصدق فعرف بالصّديق ] واذكر في الكتاب إبراهيم إنَّه كان صديقاً نبيّاً[ (مريـم:41) والصدق قيمة جعلت من الدعائم التي تقوم عليها النبوة، واتخذه بعد ذلك رسولاً يبلغ رسالة ربِّه، ثُمَّ اتخذه خليلاً، إذ بلـغ معها درجة من محبة اللّـه لـه لكي ينال هذا المقام ] واتخذ اللّه إبراهيم خليلاً[ (النساء:125)، ثُمَّ إماماً ] وإذا ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين[ متماً بذلك كلّ المواصفات ليصبح بشخصه أمّة قانتاً للّه حنيفاً جامعاً لكلّ الفضائل.

  2. #2
    baned
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    الريـــــــاض
    المشاركات
    9,014
    معدل تقييم المستوى
    218

    افتراضي

    مشكور والله
    يعطيك
    العافية
    الموضوع الجميل

  3. #3
    عضو شرف
    تاريخ التسجيل
    Apr 2006
    الدولة
    الــــريــاض ..
    المشاركات
    16,336
    معدل تقييم المستوى
    445

    افتراضي

    جـزاك الله خـير على طـرح القصـه ..

  4. #4
    baned
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    الريـــــــاض
    المشاركات
    9,014
    معدل تقييم المستوى
    218

    افتراضي

    مشكور والله
    يعطيك
    العافية
    الموضوع الجميل

  5. #5
    +:+ليتك تفهم احبك:+:
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    الدولة
    الامارات الحبيبه
    المشاركات
    19,674
    معدل تقييم المستوى
    3009

    افتراضي

    تسلم ايدك على القصه

    ويعطيك العافيه

    قمرمنور

  6. #6
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    الدولة
    دبي
    المشاركات
    3,518
    معدل تقييم المستوى
    97

    افتراضي

    تسلم يمناااك على الطرح

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    593
    معدل تقييم المستوى
    33

    افتراضي


  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    16
    معدل تقييم المستوى
    19

    افتراضي

    يعطيك العافيه

  9. #9
    عضو شرف الصورة الرمزية جرااح
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    8,295
    معدل تقييم المستوى
    1215

    افتراضي

    الله يعطيك العافيه
    وتسلم يمنااااااك
    يكفيني اني جيت في بال منووول .... واهدتني هالتوقيع وهالشيء يكفي


  10. #10
    إدارية الصورة الرمزية ღ بيلسـان ღ
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    57,560
    معدل تقييم المستوى
    38308630

    افتراضي رد: النبي ابراهيم عليه السلام...


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. النبي دانيال (( عليه السلام ))
    بواسطة ند المهــا في المنتدى الانبياء و الرسل و الصحابه
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2011-12-24, 04:05 AM
  2. مواقف تبسم فيها النبي عليه السلام
    بواسطة شرقاوي (Star 2011) في المنتدى الانبياء و الرسل و الصحابه
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 2011-10-18, 01:24 PM
  3. قصة النبي عزيز عليه السلام
    بواسطة ღ بيلسـان ღ في المنتدى الانبياء و الرسل و الصحابه
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 2010-01-11, 12:46 PM
  4. قصة صارت في زمن النبي موسى عليه السلام
    بواسطة azizus في المنتدى قصص واقعية قصص خيال
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2007-11-17, 04:07 PM
  5. إحدى قصص النمل مع النبي سليمان عليه السلام
    بواسطة الـعـالـمـي في المنتدى منتدى اسلامي
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 2006-10-30, 07:44 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
مسلسلات رمضان 2013 مسلسل جار القمر مسلسل عطر الجنة مسلسل يامن هواه
مسلسل حكاية حياة مسلسل الداعية مسلسل نقطة ضعف مسلسلات رمضان 2013 المصرية
مسلسل الركين مسلسل القاصرات مسلسل خلف الله مسلسل العراف
رابط رابط مسلسل نكدب لو قولنا مبنجبش مسلسل نيران صديقة

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140